ممارسات أمل الشعـرية

مقالمقمقال / خالد سليم

لم يكن أمل دنقل , شاعراً للرفض , ومثقفا ً ذا بصيرةٍ نافذة ٍ ورؤية أكثر شفافية فحسب , بل كان باعثا ً للموروثات القومية يستلهمها في قصائده .. يتنفسُ من خلالها مشاكل أهله .. يشاركهمْ بها أحلامهم وآلامهم

أمير شعراء الرفض -وهو لقبه- عن جدارة واستحقاق .. لم يمتلك مقراً معيشياً .. بل لم يكن نصيبه من متاع الحياة الدنيا غير (الرحلة ُ من مقهى إلى مقهىَ) , فحركته الدائمة تنبيءُ عن قلق ٍ شعوريٍّ , يبعثه دائما ً على البحثِ عن واقع ٍ أفضلْ , وينقله إلى حالات الحلمْ

استلهم أمل الموروثات القومية وجعلها محركاً لقصائده تضفي عليها الكثير من الحيوية , من خلال اسقاطات الاحداث والشخصيات على الواقع الذي نعيش فيه ,, كما أضفت هذه الموروثات على بعض قصائده قداسة ً بما تضمنته من تعبيرات مستوحاة من الكتب السماوية

كانت مصادر أمل وينابيعه التي لا تجف هي : الدين – الأسطورة – التاريخ – الأدب الشعبي

أولا : الدين

عمد الشاعر الفذ إلى استدعاء الشخصيات والرموز الدينية , من أجل توظيفها لخدمة قيمة فكرية أو انسانية بشكل عام

فاستلهم من الديانة اليهودية : سفر الخروج وهو سفر الفداء , أو الخلاص بالدم , الذي كتبه سيدنا موسى في سيناء , ومن حقائقه الروحية أنه ليس للانسان المظلوم خلاص , بدون سفك دم ظالمه , يقول في قصيدته سفر الخروج من ديوانه الهام العهد الاتي

أيها الواقفون على حافة المذبحة

أشهروا الأسلحة !

سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحة

والدم انساب فوق الوشاح !

المنازل أضرحة،

والزنازن أضرحة

والمدى… أضرحة

فارفعوا الأسلحة

واتبعوني

أنا ندم الغد والبارحة

رايتي : عظمتان وجمجمة

وشعاري الصباح

واستلهم من المسيحية : حكايا السيد المسيح عن العشاء الأخير .. في قصيدته عشـــاء

قصدتهم في موعد العشاء

تطلعوا لي برهة

ولم يرد واحد منهم تحية المساء

وعادت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرة

في طبق الحساء

… …. …. ….

نظرت في الوعاء

هتفت:

” ويحكم دمي هذا دمي..فانتبهوا “

لم يأبهوا

وظلت الأيدي تراوح الملاعق الصغيرة

وظلت الشفاه تلعــق الدماء

ومن الديانة الاسلامية : حكايا ابن نوح , في قصيدته مقابلة خاصة مع بن نوح

جاءَ طوفانُ نوحْ.

هاهمُ \”الحكماءُ\” يفرّونَ نحوَ السَّفينهْ

المغنونَ- سائس خيل الأمير- المرابونَ- قاضى القضاةِ

(.. ومملوكُهُ!)

حاملُ السيفُ – راقصةُ المعبدِ

(ابتهجَت عندما انتشلتْ شعرَها المُسْتعارْ)

– جباةُ الضرائبِ – مستوردو شَحناتِ السّلاحِ –

عشيقُ الأميرةِ في سمْتِه الأنثوي الصَّبوحْ!

جاءَ طوفان نوحْ.

ها همُ الجُبناءُ يفرّون نحو السَّفينهْ.

بينما كُنتُ..

كانَ شبابُ المدينةْ

يلجمونَ جوادَ المياه الجَمُوحْ

ينقلونَ المِياهَ على الكَتفين.

ويستبقونَ الزمنْ

يبتنونَ سُدود الحجارةِ

عَلَّهم يُنقذونَ مِهادَ الصِّبا والحضارة

وقصص الصحابة كـسيدنا خالد ابن الوليد – رضي الله عنه- في قصيدته الموت في الفراش

” أموت فى الفراش .. مثلما تموت العير “

..أموت ، والنفير

..يدق فى دمشق

أموت فى الشارع : فى العطور و الازياءْ

أموتْ .. والاعداءْ

..تدوس وجه الحق

” وما بجسمى موضع الا وفيه طعنة برمحْ .. “

.. إلا وفيه جُرحْ

..إذن

“.. فلا نامت أعين الجبناء

وأبي موسى الأشعري في قصيدته (حديث خاص مع أبي موسى الأشعري ) .. وغيرهم

ثانيا : الأسطورة

فقد استخدم دنقل الأساطير الفرعونية ( إيزيس وأوزوريس – عروس النيل .. ) والأساطير اليونانية ( لم يستلهم سوى أسطورة واحدة هي أدونيس أو تموز ) والأساطير العربية ( أسطورة الإله القمر عند العرب) .. استطاع أمل من خلال استدعائه لأبطال الأساطير وأحداثها أن يبعثها إلى الحياة مرة أخرى , وأن يضفي على قصيدته الكثير من الحيوية كما أسلفنا

يستلهم في قصيدته العشاء الأخير , أسطورة ايزيس واوزوريس

ربما أحياك يوما دمع “إيزيس”المقدس

غير أنا لم نعد ننجب إيزيس جديدة

لم نعد نصغي إلى صوت النشيج

ثقلت آذاننا منذ غرقنا في الضجيج

لم نعد نسمع إلا . . الطلقات

ثالثا : التاريخ

وانقسم إلى أحداث ( حرب البسوس – موقعة حطين .. ) وإلى أشخاص ( سبارتاكوس قائد ثورة العبيد – الحجاج بن يوسف الثقفي – الحسين بن على – عثمان بن عفان – زرقاء اليمامة – المتنبي – صلاح الدين الأيوبي .. ) وغيرها

يقول في كلمات سبارتاكوس الأخيرة

معلقٌ أنا على مشانق الصباح

وجبهتي – بالموت – محنية

لأنني لم أحنها.. حية

يقول في قصيدته البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

أيتها العرافة المقدسة

جئت إليك.. مثخنا بالطعنات والدماء

أزحف في معاطف القتلى،وفوق الجثث المكدسة

منكسر السيف، مغبر الجبين والأعضاء

أسأل يا زرقاء

عن فمك الياقوت , عن نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكا بالراية المنكسة

عن صور الأطفال في الخوذات… ملقاة على الصحراء

عن جاري الذي يهم بارتشاف الماء..

فيثقب الرصاص رأسه.. في لحظة الملامسة

ولا يخفاكم أنه في ( عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكا ً بالراية المنكسة ) إشارة لقصة سيدنا جعفر بن أبي طالب , في غزوة مؤتة , هكذا كان أمل يكثر من التراكيب والإشارات التاريخية في قصائده وينسجها نسجا ً حكيماً

رابعا : الأدب الشعبي

ألف ليلة وليلة – عنترة بن شداد – سيرة الزير سالم – والموّالْ

يتحدث بلسان عنترة في قصيدته البكاء بين يدي زرقاء اليمامة .. يقول

أيتها النبيه المقدسة ..

لا تسكتي .. فقد سكت سنه فسنه ..

لكي أنال فضلة الأمان

قيل لي : أخرس

فخرست .. وعميت .. وأتممت بالخصيان

ظللت في عبيد ( عبس ) أحرس القطعان

أجتز صوفها ..

أرد نوقها ..

أنام في حظائر النسيان

طعامي : الكسرة .. والماء .. وبعض التمرات اليابسة .

وها أنا في ساعة الطعان

ساعة أن تخاذل الكماه .. والرماة .. والفرسان

دعيت للميدان !

أنا الذي ما ذقت لحم الضان ..

أنا الذي لا حول لي أو شان ..

هكذا اتخذ الشعر , بديلا للانتحار .. وهكذا مارس أمل دنقل أحلامه على أرضية صلبه من تراثنا الخالد , ونسج بخيط القصيدة وخيط التراث تاريخه الحافل .. الذي لا يجعلنا ننسى الأمل .. أمل دنقل

خالد محمد سليم

____________________________________

المراجع

سفرأمل دنقل . تحرير عبلة الرويني

الجنوبي . عبلة الرويني

صورة الدم في شعر أمل دنقل . د. منير فوزي

الأعمال الكاملة . أمل دنقل

11 thoughts on “ممارسات أمل الشعـرية

  1. سأصدقك القول..كنت بدأت قراءة فى الأعمال الكاملة له..أتممت منها ديوانين أو يزيد من القراءة السريعة بصوت عال مسموع:D…كلماته من الثروة و الغنى التى تجعلك تمل..رغم أننى أحب الشعر الثقيل الدسم..و لكن غالبا لا أحتمل جرعة زائدة مكثفة و هو عيب الأعمال الكاملة..وذات الشعور أصابنى عند قراءة الأعمال الكاملة لأحمد مطر..وغالبا أعذى السبب الى وحدة الموضوع..ورغم أنه الدفاع عن القضايا الوطنية واجبنا جميعا..الا أن قراءة القصائد فى ذات الموقف شئ وقراءتها مجمعة شئ أخر..وللأسف ليس ملحقا بكل قصيدة موقف قولها..

    مقدمة طويلة عريضة من الأسباب و المبررات كى أقول ” تعجبنى أعماله فرادى”..ورائعة هذه الرؤية فى أعماله..جزيت خيرا و على أكمل قرائته فرادى:D

    • anakhaled says:

      أمل ناقش في جميع قصائده السياسية ثلاثة مواضيع
      1- فساد السلطة
      2- علاقة السلطة بالمثقفين
      3-الصراع العربي الصهيوني

      صراحة لم أجد شاعر , وربما تكون هذه فكرة مقالي القادم عن أمل , تطرق الى كل الأفكار الثورية مثل أمل
      أمل , مجدد برغم وحدة الموضوع
      نقطة أخرى , هناك فرق بين أن تنقلي الواقع وان تستشرفي المستقبل وبين أن تكوني متفائلة

      أمل كان متفائل , لكن الواقع والمستقبل الذي يرسمهما في قصائده كانا ملونين بالأسود
      هذا ليس اتهام لامل بالتشاؤم , وانما اتهام للواقع بالسوء

      فعلا هذا شيء ينقص من جمال القصيدة , ان تكوني على عدم علم بموقف القصيدة , وهذا ما سأحاول أن أبرزه لاحقا
      اخيرا , اه لو رأيتم أمل كما رأيته ..
      :D

      أسعدني وجودك يا داليا

  2. نسيت أن أضيف أن أول ديوانين فى الأعمال الكاملة نالت اعجابى..
    سبب آخر يجعلنى أقرأ القصائد فرادى..أن اسمه ليس على مسمى:P…ما أقصد أننى أحس بشعره لمحة من التشائم سببها النقد المستمر للأوضاع..وهى مكثفة جدا فى الأعمال الكاملة بحيث لا أستطيع احتمالها:D

  3. salmagad says:

    السلام عليكم
    بجد رائعه ياخالد
    وان كنت بحبح دنقل قبل كده قراط دلوقتي بقوا 48
    :D
    ايه العظمه ديه
    جمعنا الله به في جنات النعيم
    امين

  4. اليــَاسمين says:

    راااااااااااااائع

    انا قرأت الموضوع كله

    ما شاء الله

    عجبنى جدا جدا جداااااااااا

  5. Mahmoud B. says:

    سعدت جدا بهذا التحليل الجميل .. أنا أعشق أمل دنقل و ما أثر في شعر كما تؤثر في كلماته .. و أتلهف دائما أن أقرأ تحليلاً أو دراسة أو نقداً لشعره و إنتاجه .. لأني أراه من الثراء بمكان يملأ سماء الشعر و يشغل المهتمين بالكلمة
    تحياتي لحضرتك د / خالد علي هذا لتحليل الذي قدمته بروح المحب الوفي و بعين الطائر علي مجمل إنتاج أمل و مميزات تجربته
    و بالطبع في إنتظار المزيد …

    • anakhaled says:

      سعدت بتعليقك جدا اخي العزيز .. أمل يؤلف في شعره مجلدات
      تابع المدونة .. وان شاء الله لن اتوقف عن الحديث عن أمير شعراء الرفض

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s