جواز سفر

وعندمَا تهيأ الرحيلُ كيْ يمرَ بي

حملتُ ما حملتُ من أسىَ

وتهتُ في غياهبِ الشجنْ

أنا الغريبُ في المدنْ

حقيبتيْ بلا وطنْ

هواجسيْ قصيدةٌ

كمرفأٍ بلا سُفنْ

مسافرٌ إلى الغيابِ

في قرارتيْ

حملت ما حملتُ من بقيتي

ودُرت في خرائطِ المكانِ والزمنْ

عن سرطان البحر الصغير

“لدى البحر ما شاء من ذكريات”

في شتاء يناير، عاودتني نداءات البحر، وليس لي سوى أن أجيب، توضأت، وتحسست الرمال بقدمين عاريتين إلا من الشوق، خطوت تاركا لقدمي صورا تذكارية قصيرة العمر على الشاطيء، لسعتني برودة الماء، نزلت حتى انغمست في ملوحة البحر للخاصرة، شاكتي شوكة ما في قرارة التربة ، وعندما أمعنت النظر وجدت سرطان بحر صغير قد تعلق في قدمي، أسأت الظن به حين ظننته شوكة ، لكنني ابتسمت .. كم أود يا صغيري أن أحملك مع في سفري الطويل، لكنها الحياة خارج الماء، قاسية كالعاصفة، بغيضة كأسماك القرش والأخابيط، قلت له في عالم غير عالمنا البائس كنت حملتك معي في حقيبتي رفيقا لي في سفري الطويل.

غير أن عالمي بائس

وبغيض.

الموتُ رفيقاً

علىَ نحو ثلاثين عاماً تشكلتْ صورةُ الموتِ فيها، كانَ تعريف الموت لديّ ضبابياً عصياً على الادراك، تسربَ إلي عبر السنين، أردى الحبيبَ والقريبْ، ودارت رحاه.

لم أفهمهُ معنآ ولا ضمنا ، لا حدسا ولا همسا ، غير أني في استغراقي في سؤاله/سؤالِ الموت لم أهبْه قط هوَ محضُ تجربة جديدة ، إلا أنه في جوهره مجهول، والانسان عدو ما يجهل .. بيد أنني بطبيعة الحالِ لستُ عدوا لما أجهلْ بل مناوئا أقرب ما أكون.

لا أخشىَ من أسباب الموتِ سوىَ الموت الساخر، أن يقفَ في حلقي الطعامُ حدّ الاختناق أو أن يتوقف قلبي مع مباراة كرة، أن تنزلق قدماي في أرضية الحمام ويقتلني النزيف الداخلي ، أو أن ترديني بعوضة غيرُ مكترثة أو عضة كلبٍ عاقر، أن أموتَ ضحيةً لسخرية القدر!

وعلىَ خوفي، وما باليدّ ثمة حيلة، إن أتاني الموتُ في رداء السخرية سأقابله بالضحكات، سأتكفن في كفن التهكم، وأتطيب بالرضا، وأتمدد مستسلما في سرير السكينة و العدم.

سؤل يحيى الفخراني ذات يوم : إنت جي تعزي ولا جي تهرج ؟ فأجابهم : أنا جي أهرج.

رسالة قصيرة إلى ناردين

copy-ana-5aled.jpg

صوتٌ ما في داخلي بين الفينة والأخرى كان يحثني على الكتابة وكان لزاما عليّ أحيانا أن أسكته غير أنه هذه المرة كان يتسلل هادرآ من البحر.

فالقناديل التي لاكتها ألسنة الناس غيبةً أضاءت ليلتي، كنت لدى البحر جاهزاً للوضوء، أنهل من ملحه، أتطهر من الذنب والصد والفجاجة، أصلي للشمس التي ستمشي خلال لحظات على ماء الذهب كاشفة ثوب الحياة في جلال.

غير أن لحظي العسر صادتني قناديل البحر في فخاخها فرضت علي سلطانها ألقت ببهجتها كامنة في لونها الفضيّ كاملةً علي الرمال صفراء اللون : فراديس الهوى بارت ..
تئن موسيقى القصيدة، أرتبك ،فتسألني القناديل باقي القصيدة ، أجيبُ : طواها الردى!

ما الذي يسعني الآن إلى جانب نظم الشعر والبحر عاجز عن التقاطي ؟! هل أطيّر طيارة ورقية ينقبض وينبسط قلبي معها على موج الرياح ؟! مغازلة الحسناوات ؟! صورةً للذاكرة؟! صنم من الرمل لم ولن يعبده أحد ؟!

كل الطرق كانت تؤدي إلى القصيدة غير أنك كنت قصيدتي التي لا أملّ من كتابتها دوماً ، وأنت بدورك جعلت من حياتي فيلما جيداً لا أجتهد في إتقان دور البطل فيه.

شهادة

يذوبُ فيكِ كلُّ شيْء

ينضٓوي خلفٓ الشعاعِ المشرقِ البعيدْ

وفي مشقةِ النهوضِ كلّ يومْ

تكتويْ فراشاتُ الصّباح بالأملْ

لعينةٌ هي الحياة ِدونماَ أحزانْ

رتيبةٌ هيَ دونما ذكرى تراودُ الجراحٓ كلّ آنْ

أصليْ للتي لم تعرفِ الآثام

يصومُ القلبُ عن شايِ الكلامْ

حبيبتي هناك خلف ذاك الزمان

حجَّ الغريب للشجن ..

كالماء للسراب

كالمنفىّ للوطن

ليلةٌ فائتةٌ عاديةٌ جداً

IMG_20161214_214915.jpg

لم يكن لكأس أولد ستاج أن يستقر في جوفي حتى ارتفعت سخونة الإيقاع في شارعي الهاديء، وبعد أن ارتميت خلف مقود سيارتي كالقتيل، كانت جلبة خارج زجاجي المغلق لنهايته يطغى صوتها على انبعاث الدخان البارد الذي يتنفسه الصقيع ..نحيت كاسي جانبا وأشعلت حمى الأدرينالين جسدي .. هل لعقلي أن يعود من غيبوبته إلى أرض الحادث.

شابان يرتميان خارج سيارة قديمة الطراز وقد اصطدما بعمود إنارة .. أصير شخصاً حاسماً وواقعياً فجأة أسأل المصابين هل أنتما يا صاحبي بخير ؟! .. لهجتي لا يشوبها الحنان قط ولا حسن النية ولا حتى سوءها .. شخص ما غاضب شاء لي الاولد ستاج أن أكونه .. من المذياع المشؤوم في القلب من السيارة تعسة الحظ  كانت تهمس أم كلثوم بجلالها  أن “يا حبيبي أنا كلي حيرة ، ونار ،وغيره ، وشوق إليــ ” يهبط الجند الملثمون كالمظليين لا أدري كيف خلقوا فجأة .. أتبين والهواء البارد لا يمل من وخز حلقيْ أنهم جنود التدخل السريع ، جاءوا عندما كانوا يمرون صدفة في مهمة محض روتينية.

تقمص النقيب أصلع الرأس دور عسكري الدرك وتمتم في جهاز اللاسلكي حوذته بالكلمات الميري التي لا داعي لها .. ما ضرهم لو تحدثوا بلهجة عادية كهذه الليلة التي لم تخلق الدهشة في داخلي رغم أنف الادرينالين وأولد ستاج .. شيء في داخلي انكسر في السابق ومن ثم كان لهذه الليلة أن تكون عادية .. عادية جدا.